الشيخ محمد رشيد رضا

401

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والمعنى ان من يكسب خطيئة أو إثما ثم يبرئ نفسه منه أي مما ذكر ويرمي به بريئا أي ينسبه اليه ويزعم أنه هو الذي كسبه ، فقد احتمل أي كلف نفسه ان بحمل وزر البهتان بافترائه على البريء واتهامه إياه ووزر الإثم البين الذي كسبه وتنصل منه . وقد فشا هذا بين المسلمين في هذا الزمان ومع هذا ينسب المارقون ضعفهم إلى دينهم ، وانما سببه ترك هدايته ، فالحادثة التي نزلت هذه الآيات في إثر وقوعها كانت فذة في بابها وما زال المفسرون يجزمون بأن المسلمين الذين سرق أو خان بعضهم ، ونصره آخرون وبهتوا اليهودي برميه بجرمه وهو بريء ، لم يكونوا مسلمين إلا في الظاهر ، وانما هم منافقون في الباطن ، لان مثل هذا الاثم المبين ، والبهتان العظيم ، لا يكون من المؤمنين الصادقين ، ولكن مثلها صار اليوم مألوفا ، بل وجد في حملة العمائم من يفتي بجواز خيانة غير المسلمين ، وأكل أموال المعاهدين والمستأمنين بالباطل ، كما علمنا من واقعة حال استفتينا فيها ونشرت الفتوى في المنار ، ونعوذ باللّه من هذا الخذلان * * * بعد ان بين اللّه تعالى هذه الأحكام والحكم والمواعظ المنطبقة على تلك الواقعة ، ووجه إلى كل من له شأن فيها ما يناسبه في سياق هذه القواعد العامة ، خاطب النبي ( ص ) وهو الحاكم بين الخصمين فيها بقوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ أي لولا فضل اللّه عليك بالنبوة والتأييد بالعصمة ، ورحمته لك ببيان حقيقة الواقعة ، لهمت طائفة من الذين يختانون أنفسهم بالمعصية أو بمساعدة الخائن ان يضلوك عن الحكم العادل المنطبق على حقيقة القضية في نفسها ، أي يضلوك بقول الزور وتزكية المجرم وبهت اليهودي البريء ، لعلمهم ان الحكم إنما يكون بالظواهر ، أو بمحاولة الميل إلى إدانة اليهودي توهما منهم أن الاسلام يبيح ترجيح المسلم على غيره ونصره ظالما أو مظلوما كما يعهدون في غيره من الملل . ولكنهم قبل أن يطمعوا في ذلك ويهموا به جاءك الوحي ببيان الحق ، وإقامة أركان العدل ، والمساواة فيه بين جميع الخلق ، وقيل إن الآية نزلت في وفد ثقيف إذ قدموا على النبي ( ص ) وقالوا جئنا لنبايعك على أن لا تكسر أصنامنا ولا تعشرنا ، فردهم وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بانحرافهم عن الصراط المستقيم الذي هداهم اليه « تفسير النساء » / « 51 خامس » / « س 4 ج 5 »